اليوم السابع…حديث الموت عن الحياة

بقلم الكاتب الناقد احمد المندراوي
في كل أربعاء أفتح لكم صفحة جديدة من صفحات الأدب، أختار فيها كتابا قرأته وأقدّمه لكم تحت عنوان:
«قرأت لك»
اليوم أتوقف عند رواية صينية معاصرة أثارتني بعمقها وسخريتها المرة، رواية تجعلك تتساءل:
هل الموت أكثر رحمة من الحياة أحيانا؟
الرواية هي «اليوم السابع» للكاتب الصيني يو هوا، صدرت عام 2013، وترجمت إلى العربية بقلم الدكتور عبد العزيز حمدي عبد العزيز.
عمل أدبي يبدو للوهلة الأولى بسيطا في حبكته، لكنه يحمل في طياته نقدا اجتماعيا حادا وصورة مؤلمة للمجتمع الصيني المعاصر.
الكاتب الذي يكتب الموت بدم الحياة:
يو هوا كاتب ولد عام 1960، عمل طبيب أسنان خمس سنوات قبل أن يتفرغ للكتابة.
يعد من أبرز الأصوات الأدبية في الصين الحديثة، واشتهر بروايات مثل
«على قيد الحياة»
و«مذكرات بائع الدم»
و«الإخوة».
أسلوبه يجمع بين الواقعية القاسية والسخرية السوداء، ويستطيع أن يحول التفاصيل اليومية العادية إلى مرايا تكشف عورات المجتمع.
في «اليوم السابع» يواصل مشروعه الأدبي الذي يضع الإنسان البسيط في مواجهة آلة الحياة الحديثة القاسية.
سبعة أيام بعد الرحيل:
تبدأ الرواية من لحظة موت بطلها يانغ فيي، الرجل العادي الذي لم يترك أثرا كبيرا في حياته. يجد نفسه في «مؤسسة الخدمات الجنائزية»، لكنه يكتشف سريعا أنه لا يملك قبراً يدفن فيه، فيطرد إلى أرض الأموات الذين لم يدفنوا.
هناك يبدأ رحلته في سبعة أيام، يتجول خلالها بين أرواح تشبهه، ويستعيد في الوقت نفسه شريط حياته:
طفولته، والده الذي ربّاه بحب استثنائي، وحبه، وفشله، وموته الغامض.
لا أريد أن أحرق عليكم الأحداث، لكن يكفي أن أقول إن الرواية لا تتعامل مع الموت كحدث نهائي، بل كمرآة تعكس ما كان يحدث في عالم الأحياء.
كل روح يلتقيها يانغ فيي تحمل قصة، وكل قصة تكشف جانبا من جوانب المجتمع الصيني في العقدين الأخيرين:
التفاوت الطبقي، الاستهلاك المحموم، البيروقراطية، والفساد الذي يصل حتى إلى عالم الموتى.
ما الذي تقوله الرواية؟
تدور الرواية حول عدة محاور متشابكة.
أبرزها قضية الكرامة الإنسانية.
يو هوا يطرح سؤالا مؤلما:
هل يفقد الإنسان كرامته حتى بعد موته إذا كان فقيرا؟
فكرة أن الجسد يحتاج إلى قبر، وأن القبر أصبح سلعة باهظة الثمن، تتحول إلى رمز للظلم الاجتماعي الذي لا يتوقف عند حدود الحياة.
المحور الثاني:
هو العلاقة بين الأب والابن.
والد يانغ فيي شخصية استثنائية في بساطتها وعظم محبتها.
هذه العلاقة تمثل في الرواية نوعا من الخلاص العاطفي وسط عالم بارد ومادي.
الحب هنا ليس كلاما كبيرا، بل أفعالا صغيرة ومتكررة، وهذا ما يجعلها مؤثرة جدا.
أما المحور الثالث:
فهو النقد الاجتماعي المباشر.
الرواية لا تهاجم النظام السياسي بشكل صريح، لكنها تكشف من خلال التفاصيل اليومية كيف تحوّل الإنسان إلى رقم، وكيف أصبحت القيم الاستهلاكية أقوى من الروابط الإنسانية.
من بيع كلية من أجل هاتف، إلى بيع الجثث، إلى التمييز بين الأموات حسب طبقاتهم… كل شيء يصبح ممكنا في عالم يركض وراء المال.
أسلوب يو هوا:
البساطة التي تخفي العمق:
ما يميز «اليوم السابع» هو أسلوبها. يو هوا يكتب بلغة واضحة وسلسة، بعيدة عن التكلف. يعتمد كثيرا على الاسترجاع الزمني، فينتقل بين الحاضر (عالم الموتى) والماضي (حياة البطل) بطريقة طبيعية لا تربك القارئ.
السخرية حاضرة دائما، لكنها سخرية هادئة وموجعة، لا تصرخ، بل تترك الجرح ينزف ببطء.
الترجمة العربية نجحت إلى حد كبير في نقل روح النص، خاصة في الحوارات والتفاصيل اليومية.
ورغم أن بعض النقاد رأوا أن الرواية أقل كثافة من أعمال يو هوا السابقة، إلا أنني أجد فيها نضجا مختلفا:
نضج الكاتب الذي لم يعد يريد الصدمة بقدر ما يريد التأمل.
لماذا أنصحكم بقراءتها؟
لأنها رواية قصيرة نسبيا، لكنها تترك أثراً طويلاً. لأنها تتحدث عن الموت بطريقة تجعلك تعيد التفكير في الحياة.
ولأنها تقدّم صورة صادقة ومؤلمة لمجتمع يمر بتحولات هائلة، دون أن تفقد إنسانيتها.
أنصح بها لكل من يحب الأدب الذي يمزج بين الحكاية والفكرة، ولكل من يهتم بالأدب الآسيوي المعاصر، ولكل من يبحث عن رواية تتجاوز الترفيه إلى التأمل.
ليست رواية سهلة عاطفيا، لكنها رواية صادقة.
في النهاية، تتركك «اليوم السابع» مع سؤال بسيط وقاس:
إذا كان الموت لا يمنح الفقراء حتى قبرا هادئا،
فهل كانت حياتهم أصلا تستحق أن تعاش بهذه الطريقة





