بركان إثيوبيا المشتعل: تحالفات الخصوم تطيح باتفاق بريتوريا وتنذر بحرب وجودية كبرى

اديس ابابا – اثيوبيا ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
على وقع طبول الحرب التي أعادت خلط الأوراق بوحشية في منطقة القرن الإفريقي، تشهد إثيوبيا في هذه الأيام تطورات عسكرية ميدانية بالغة الخطورة تنذر بانهيار شبه كامل لاتفاق السلام التاريخي الذي وُقّع في بريتوريا عام 2022.
لم تعد الأزمة الحالية مجرد توتر تقليدي محدود بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وجبهة تحرير تيغراي، بل تمددت وتشعّبت لتفرز مشهداً معقداً وغير مسبوق يتمثل في تشكيل تحالف عسكري وسياسي هجين يجمع “أعداء الأمس” من مختلف القوميات والأقاليم بهدف إسقاط الحكومة المركزية أو تقويض أركانها.
هذا التصعيد المفاجئ لا يقتصر دويّه المدمر على الداخل الإثيوبي فحسب، بل يمتد بظلاله الثقيلة ليقض مضاجع دول حوض النيل والقرن الإفريقي، فاتحاً الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حارقة حول مصير الاستقرار الإقليمي برُمته، ومستقبل السدود والموارد المائية التي تتحكم فيها أديس أبابا وسط صفيح ساخن يوشك على الانفجار الشامل.

تفكك اتفاق بريتوريا واشتعال الجبهات في الأقاليم الشمالية
تشير المعطيات الاستقصائية والتقارير الميدانية الواردة من عمق الإقليم إلى أن شرارة المواجهات العسكرية المتجددة التي اندلعت مع نهاية سبتمبر 2026 قد أعادت رسم خريطة السيطرة الميدانية في شمال البلاد بصورة دراماتيكية. فقد شهدت أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر اشتباكات مسلحة عنيفة، ترافقت مع تحركات عسكرية استباقية للسيطرة على مطار أكسوم ومطار ميكيلي ومفاصل الطرق الاستراتيجية الحساسة، مما دفع بشركات الطيران الدولية والمحلية إلى تعليق رحلاتها نحو الإقليم وسط انقطاع واسع وممنهج لشبكات الاتصالات وخدمات الإنترنت.
إن هذا التدهور السريع يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن اتفاق بريتوريا لم ينجح في معالجة الجذور العميقة للأزمة السياسية والدستورية والهيكلية في إثيوبيا، بل ترك ملفات شائكة ومعلقة تتعلق بالسيادة، وحدود الأقاليم المتنازع عليها، وصلاحيات الحكم الذاتي، وتوزيع الثروة والسلطة معلقة على حافة الهاوية. ومع تنصل الأطراف المتبادل من الالتزامات والتفاهمات السابقة، وجدت البلاد نفسها مجبرة على العودة إلى المربع الأول من الاقتتال الأهلي الواسع، مستنزفة ما تبقى من موارد البنية التحتية المتهالكة أساساً.
تحالف “الخصوم التاريخيين”: جبهة موحدة لإسقاط أديس أبابا أم تناقضات مؤقتة؟
تُعد المفارقة الأكثر إثارة للانتباه في جولة الصراع الحالية هي ولادة ما يُعرف ميدانياً بـ”تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء”، والذي يجمع فصائل مسلحة وقوميات كانت حتى الأمس القريب تخوض حرب إبادة ضد بعضها البعض على طرفي نقيض. يضم هذا التحالف الهش جبهة تحرير تيغراي، وقوات “فانو” الأمهارية، إلى جانب جيش تحرير أورومو، وحركات مسلحة أخرى تنشط في أقاليم عفر وأوغادين وبني شنقول.
على الرغم من أن الرابط الوحيد الذي يجمع هذه المكونات المتنافرة هو الرغبة الملحة والجامحة في تقويض سلطة رئيس الوزراء أبي أحمد وإعادة هندسة النظام الفيدرالي الإثيوبي من أساها، إلا أن الخلافات الأيديولوجية والتاريخية العميقة حول حدود الأراضي، والمظالم القومية، وهوية الدولة المركزية تظل بمثابة “قنبلة موقوتة” داخل هذا التحالف المصطنع. وفي المقابل، تحاول الحكومة الفيدرالية حشد قواتها الدفاعية الخاصة، وتأمين خطوط إمدادها الثقيلة عبر تحالفات ضيقة للوقوف بحزم أمام محاولات قطع الطرق الاستراتيجية الرابطة بين العاصمة أديس أبابا والمنافذ الملاحية الحيوية في الجوار الإقليمي.

الأبعاد الإقليمية والتهديدات العابرة للحدود وتأثيراتها على أمن المياه
لا تقتصر تداعيات البركان الإثيوبي على الجغرافيا الداخلية وحدها، بل تتداخل بشكل خطير ومباشر مع أزمات الجوار الإقليمي الملتهبة، وعلى رأسها الحرب المدمرة المستمرة في السودان، والتوترات الدبلوماسية والعسكرية المستمرة مع إريتريا والصومال. تشير التقارير الاستخباراتية إلى تقاطعات معقدة في شبكات الدعم الإقليمي والدولي المقدمة لمختلف أطراف النزاع، مما يحول منطقة القرن الإفريقي إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية وسباق النفوذ الاستراتيجي.
وعلى الصعيد العربي والمصري تحديداً، يشكل هذا التصدع الداخلي الهائل خطراً مباشراً على أمن ومصالح دول حوض النيل، حيث تتابع عواصم القرار الإقليمي بحذر شديد انهيار البنية الأمنية لدولة تسيطر على منابع جغرافية حيوية للمياه، وسط مخاوف جدية من تدفق موجات جديدة من اللاجئين والنزوح البشري، وتسلل الجماعات المتطرفة مستغلة الفراغ الأمني المتسع في الهضبة الإثيوبية.
خلاصة الموقف: إثيوبيا على مفترق طرق خطير ومصير مجهول
تؤكد المشاهد الاستراتيجية الحالية أن إثيوبيا تدخل مرحلة تاريخية بالغة الغموض والخطورة، تتراوح بين خطر التفكك الشامل وانزلاق الدولة نحو نموذج “الدولة الفاشلة” إذا نجح تحالف المعارضة في خلط الأوراق نهائياً، أو قدرة الحكومة المركزية على احتواء العاصفة عبر قبضة أمنية وعسكرية مغلظة ومكلفة. وفي كلتا الحالتين، يظل الاستقرار الإقليمي للقرن الإفريقي والبحر الأحمر معلقاً على كف عفريت بانتظار ما ستسفر عنه المعارك الميدانية في الأسابيع القادمة.

الفوتر: كاسل جورنال العربية Castle journal ltd ©2026



